نص إنشائي عن حب الوطن والانتماء إليه (لطلاب الابتدائي)

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

ما أجمل سماء وطني!

سماء الوطن التي أقف تحتها بالنسبة لي لا تشبه أيّ سماء أخرى، إنّها سماء مرصّعة باللازورد، إنّها سماء يمشي تحتها أهلي وإخواني وأصدقائي، هي السماء التي شاهدَتْ عيون الأجداد وهم ينظرون إليها آخر مرّة، هي التي تبكي على الشهداء والأبطال، هي السماء الفضيّة عند الفجر، الملتهبة عند الغروب، أنظر إليها يدفعني الحنين وقت الغروب، والأمل وقت شروق الشمس، هي سماءٌ أنظر إليها فألمحُ كلّ المعجزات الإلهية في الخَلق، أحدّثها فتجيبني، أسألها فتكلّمني، أحلم أن أطير إليها وأجلس في حضن غيمة وأرى الوطن من الأعلى فلربّما يزداد حبي لوطني وألازمه ولا أفارقه مثل تلك السماء.

أخبرتني أمّي أنّني حينما ولدتُ أخرجني أبي إلى فسحة سماوية في المستشفى، فرآني أنظر إلى الأعلى وأبتسم، ربّما كان تعلّقي بالسماء قد بدأ منذ اللحظة الأولى التي ولدتُ فيها، لذا كثيرًا ما أنظر إلى السماء حين أريد التفكير بشيء ما، أشعر أنّها تحبّني فتساعدني في التفكير وتمنحني بعض الأفكار، في وطني السماءُ تلاعبُ الطيورَ فيشكلان معًا لوحة راقصة ضاحكة تبعث السرور في نفوس الناظرين إليها، فإذا ما مرّت أسراب السنونو والنورس صار المشهد المرسوم في الهواء لوحةً لا يستطيع أعظم الرسّامين في العالم أن يرسمها، هي لوحة ناطقة حاضرة ما تزال في وجداني وأذكرها كل يوم.

تُشبه سماء وطني حديقة مسحورة تعيش فيها الكائنات الخياليّة، كأنّها البلّورة التي ننظر منها فنشاهد عالم العجائب الذي تركض فيه "أليس" وهي تتبع الأرنب، كأنّ سماء وطني قد صنعت من الذهب الأبيض والألماس المعتّق فجاءت مزخرفة مزركشة، كأنّها لوحة قد صمّمها فنّان استغرق فيها بضع سنوات كي تأتي على هذا النحو من الأناقة والجمال، غير أنّ سماءنا لا يمكن رسمها ولا تقليدها؛ فهي لوحة إلهية لا تشبهها لوحة أخرى.

مرة وقت الغروب كنت أنظر إلى أسراب من الطيور المهاجرة تطير في السماء جماعات جماعات، فسألت أمّي عن المكان الذي ستذهب إليه، فقالت إنّ هذه الأيّام هي نهايات فصل الصيف، والطيور المهاجرة لا تسكن في وطن واحد فهي لا تحتمل البرد وتهاجر إلى مناطق أخرى فيها دفء عندما يكون عندنا برد، سألتها لماذا لا نهاجر نحن أيضًا مثل هذه الطيور فالبرد لا يُحتمل فعلًا وعلينا أن نبحث عن وطن نقضي فيه فصل الشتاء.

قالت لي: إنّ الطيور المهاجرة قد خلقها الله تعالى وجعلها لا تحتمل البقاء في وطن واحد، ولكنّنا خلقنا لنتكيّف مع الوطن، فقد ميّزنا بالعقل وبالقلب الذي يحب كي نبقى في وطننا وندافع عنه ولا نغادره، فجعل حب الوطن في قلوبنا شجرة تنبت جذورها في قلوبنا منذ الطفولة، ثمّ لا تلبث هذه الشجرة أن تنمو وتنمو وتنمو حتى تصبح جذورها ممتدّة في أجسادنا مع الأوردة والشرايين، فتسقي القلب تارة، وأخرى يسقيها القلب من مائه فتعلقُ به ويعلقُ بها فيغدوان جسمين في جسم واحد.

وطني الذي أحب

إنّه وطني الذي أحب، وطني الذي أعيش فيه ولا أستطيع أن أتنفّس خارجه، كالسمكة التي تختنق إذا خرجت من الماء يمكن أن أصف حالي مع وطني، إنّني غارقٌ فيه ولا أستطيع الخروج منه، لا يمكنني أن أنظر إلى نفسي بعد أيّام أو سنوات وأنا مغترب، أريد أن أبقى في الوطن وأرتوي من مائه وأرى شمسه وبحره وسماءه، أريد أن أراه وهو يقف إلى جانبي ويربّت على كتفي حين يراني حزينًا أو شارد الذهن.

لا يمكنني أن أصف وطني، إن كان الطفل الوليد يمكنه أن يصف رحم أمّه فإنّني سأستطيع حينها، وإن كانت فراخ العصافير تستطيع أن تصف البيضة التي كانت بداخلها وتحميها من الأخطار فإنّي أستطيع، وإن استطاعت جراء الحيوانات أن تصف حياتها وهي صغيرة تطعمها أمهاتها فإنّي سأستطيع، هنالك أمور تقف اللغة عاجزة أمام وصفها، لا يمكن للحروف أن تفي بالغرض عندها، لا أستطيع أن أقول أكثر من أنّني أسيرٌ قد أحبّ الذي يأسره وتعلّق به ولم يعد يرضى لقيده بأن يُفكّ، لم يعد يرضى أن يعيش بعيدًا عن سجّانه، غير أنّ وطني جنّة لا سجن، جنّة قد أنزلها الله تعالى من السماوات ليسلّي أهل الأرض.

وطني الذي أحبّ هو وطن الأشجار الذي تنمو فيه الغابات، ويعيش فيها البشر والحيوانات الأليفة والضارية أصدقاء لأنّ الحبّ هو محور الحياة وما يقوم عليه المجتمع عندهم، لأنّ الحبّ هو أساس كلّ شيء، فنعيش في وطني كالسناجب التي تعيش في غابة وحدها فتخرج إلى عملها كلّ يوم وتعود غير آبهة بالزمن، فكأنّ اليوم ينتهي عندها كما تحبّ هي ولا تتقيّد بتوقيت محليّ أو عالمي.

الناس في وطني يعملون بجدّ كأنّهم نحلات في حديقة مفروشة بالورود، فيأكلون طيّبًا وينتجون طيّبًا، ويحبّ بعضهم بعضًا ويتساعدون فلا يتمّ عمل الأوّل حتى يتمّ عمل الثاني والثالث والعاشر وهكذا، أو يكونون كالقنادس كلّ يومهم مشغول ببناء السدود التي تقف حصنًا مانعًا أمام وطني، تحميه من الأخطار وتردّ عنه كيد الماكرين، باختصار أحبّ وطني لأنّه دافئ، لأنّه يدفع عني البرد ويكسوني من ثيابه ويعطف عليّ ويقف إلى جانبي ودومًا يقول لي: لا تخف ما دمتُ معك، أنا أمنك وامانك، وأنا الملاذ للخائفين وعابري السبيل.

وطني أرض الأجداد والأحفاد

ليس تحت سماء بلادي حبة من تراب لم تمتزج بدماء أجدادنا، أجدادنا الذين بذلوا الغالي والنفيس من أجل سلامة أرض الوطن، ولكي تنعم الأجيال القادمة بالهدوء والسكينة والطمأنينة في بلاد تُقطع يد الغازي قبل أن تمتدّ إليها، في بلاد قد أقسم أبناؤها على أن يتابعوا درب الأجداد وأن يبذلوا أرواحهم في سبيل عزّته ورفعة شأنه، فما يزالون يُستَشهَدون على أرضه بين الحين والآخر، فهم قد صدق فيهم قول الشاعر:[١]

لن تريْ حفنةَ رملٍ فوقَها

لم تُعطّر بِدِما حُرّ أبي

درجَ البغيُ عليها حِقبة

وهوى دون بلوغِ الأرَبِ

وارتمى كبرُ اللّيالي دونها

ليّنَ النّابِ كَليلَ المِخْلَبِ

إنّنا اليوم ونحن نعيش في بلادنا عزيزي الأنفس شُمّ الأنوف؛ فإنّ ذلك يعود لهمّة الآباء والأجداد الذين تُقرأ في البيوت والحجارة أسماؤهم، وتلمح في وجوه العابرين طيوفهم التي لا تلبث أن تظهر في كلّ وقت كي تبعث النار في قلوب الأبناء كلّما بردت، وطني هو الدار التي تتسع للجميع، هو البيت الذي ما يزال يؤسّس يومًا بعد يوم منذ قديم الزمان، هو ملاعب الطفولة والمدارس والمستشفيات والمصانع، هو كلّ ما يبعث الحياة في هذه الدار، هو الحياة في حقيقتها، هو الأمل الذي نلمحه عندما نتنفّس عبق الحقول ورائحة الحصاد، تلك الحقول التي لم نكن لنزرعها لولا أنّ أجدادنا قبلنا قد عبّدوا لنا هذي الأرض.

في وطني أكبر وأحلم

في وطني اليوم أعيش وأنا أحلم بالمستقبل، المستقبل الذي يقف خلف الأبواب البعيدة كما تقول جدّتي، المستقبل الذي يناديني من وراء مقاعد الدراسة، في حصص الرسم أشرد قليلًا عن الواقع المحيط فأجد نفسي أرسم فارسًا على حصان يحمل سيفًا وبندقية يدافع عن حدود الوطن، أتخيّل نفسي أنا ذلك الفارس الذي يكمل مسيرة الأجداد، وقد أرى نفسي أرسم طبيبًا يرتدي رداءً أبيضَ يحمل سماعة ويعالج مريضًا يعاني مرضًا خطيرًا، وقد أرى نفسي طيّارًا يرى البلاد من الأعلى، يتنقّل بين عواصم الدنيا ويعود من كلّ واحدة منها بشيء عزيز يزرعه في أرض الوطن.

مهما حلمتُ في وطني فلن أحلم إلّا بأن أكون إنسانًا صالحًا يسهم في بناء بلاده، يحمل أحجار الوطن على عاتقه ليبنيه بها، ليبني الإنسان قبل أن يبني البيوت، لا أريد من وطني إلّا أن يكون راضيًا عنّي، أن ينظر لي نظرة فخر، نظرة اعتزاز بما سأصل إليه، سأكون كلّ شيء له؛ سأكون المحامي الذي يدافع عنه ويُظهر للعالم براءته، سأكون الطبيب الذي يداويه ويعالجه، سأكون المهندس الذي يبني بيوته وأنفاقه وجسوره وحدائقه ومصانعه ومستشفياته، سأكون له كلّ شيء دون أن أنتظر منه المقابل، فهل يمكن للإنسان أن يتقاضى أجرًا من أمّه التي حملته في بطنها تسعة أشهر وأرضعته عامين؟

وطني هو أمّي، هو المهد الذي كبرت فيه، هو الحضن الآمن الذي أهرب إليه حين تحاصرني الأخطار، هو كلّ معاني الأمان الموجودة في اللغة، هو الأهل والأصحاب والرفاق، هو أن نكون سعداء ولا نشعر أنّ هناك ما يكدّر علينا حياتنا أو ينغّصها، الوطن هو ابتسامة أمّي عندما ترضى علي، هو همسة والدي في أذني كلّ يوم: كن كجدّك فقد كان الوطن يستند عليه إذا تعب، في وطني أرى نفسي كلّ شيء إلّا أن أكون ابنًا عاقًّا له.

لقراءة المزيد، انظر هنا: تعبير قصير عن الوطن.

المراجع

  1. "عمر أبو ريشة و القدس"، ديوان العرب، اطّلع عليه بتاريخ 5/6/2021. بتصرّف.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق