تعبير كتابي عن بر الوالدين (لطلبة الإعدادي)

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

بر الوالدين طريق الفلاح

إنّ بر الوالدين هو المقام الذي ينسجه الإنسان لنفسه حينما يكون محتاجًا ليد صادقة تكفكف دموعه في أوقات المحنة والشدة، ودائمًا ما يتناقل النّاس في المحافل الدينية أثر الوالدين وبرهما على الحياة العملية، إنّ مسألة البر ليست أمرًا دينيًّا فقط على عظم ذلك، بل هي تلك اللمسة الحانية التي يحفظها الله تعالى للعبد ليردّها له في وقت يحتاجها فتنتشله من البئر الذي غاب فيه كما نُشل ابن يعقوب قبل ذلك من البئر الظالمة المظلمة.

كيف يُمكن للإنسان ألّا يكون بارًّا بوالديه وهما الطريقان المعبّدان للفلاح في الدّنيا والآخرة، وهو في صغر سنّه لا يفقه من الدّنيا إلا ابتسامة أمّه فيُناغمها بابتسامة عذبة لا يفهم كنهها سوى الأم الرؤوم، ثم يُحاول أن يجتذب أطرافًا من شعرها ليكون الأمان له في هذا العالم الغريب الذي لم يلبث به بعد إلا بضعًا من الأشهر، فإذا ما رقّ عظمها وشاب شعرها وتبدلت القوة ضعفًا ينخر في أجزاء الجسد باتت أحوج إلى تلك اللمسة الحانية التي كانت عند وليدها في صغره.

كيف لإنسان أن يبغي النجاح دون أن يتزوّده من أنامل أمه وأبيه، كيف له أن يُقاتل لأجل حاضره ومستقبه دون أن تكون اليد الخفيّة تربّت عليه في أحواله كلها، فلا يكون صعوده للجبل من تلقاء نفسه ولا وصوله للقمة بهمته، بل يكون ذلك كله بدعوة صادقة من والدين عظيمين آثرا أن يكون لهما حظّ من سهام الليل التي لا تخطئ فيأمن ابنهما من شر أبالسة الأرض، إنّ طالب الفلاح لا بدّ له أن يكون واعيًا إلى الباب الذي يطرقه فيطلب الفلاح منه، إذ لا باب يعلو عن الله على باب الوالدين، كيف لا وهما بابا الجنة الذي هيّأهما الله للابن على هذه الأرض حتى لا يكون له حجة عند ربّه.

بر الوالدين واجب أخلاقي

لو أراد الإنسان أن يكون ذاك النموذج الأخلاقي الذي يفخر به كلّما عاين ذاته على المرآة لما كان هناك طريق خير له من طريق برّ الوالدين، إذ كيف يُمكن للإنسان أن يقضي حياته وهو يبذل ماء عينيه في فهم الأخلاق وتمثلها وهو عاق لوالديه قد بدا له دناءة خلقه في عدم برهما، إنّ الإنسان الذي يرى في نفسه قدوة لأبنائه يبتغي أن يكونوا بين يديه زهرة فواحة سيسلك بلا شك طريق بر الوالدين، تلكما الشمعتان اللتان آثرتا أن تنطفئان في صقيع الأيّام حتى لا يشعر الابن بشيء من قسوة الدنيا.

إنّ برّ الوالدين لا علاقة له بمدى الالتزام الدّيني أو المكان الذي ينتمي إليها الإنسان، إنّ ذلك الفعل قد ترفع عن الاختلافات التي يتقاذفها النّاس في كل حين، فلو سُئل المسلم عن برّ والديه لتوجب أن يكون رده مشابهًا لردّ المسيحي أو اللاديني أبدًا، فهذا الفعل قد ارتقى ليكون على رأس سلم الأخلاق، ولو أراد الإنسان البحث عن الكمال في مفهوم الأخلاق فإنّه لن يجد ذلك إلا أعتاب رجل قضى عمره وهو يُحاول أن يجمع له بضعًا من الدّريهمات حتى تكون عونًا له في ساعة لا عون فيها إلا من رب العالمين.

أي سلّم للأخلاق يستطيع أن يرتقيه الإنسان فيصل فيه إلى الإنسانيّة إن كان لم يقف حقيقة على مفهوم بر الوالدين، إنّ الابتسامة التي يسعى الابن جهده لأن يكسبها في الحياة الدنيا لتسطّر في صحيفته يوم القيامة أنوارًا ترفعه إلى ما لم يستطع أن يصل إليه بمحض عمله، وتكون في الدنيا أمطارًا من الخير تسقي أرض روحه اليابسة العطشى التي تحاول أن تجد الماء فلا تلقى ضالتها إلا في ثغر من أم حنون قد ابتسم له بعد وقت قد ظنّه سبعًا عجاف، ولا تُضاء أيّامه إلا من وجنتين توردتا بابتسامة لطيفة قد ظنّ الابن بهما إشراقة للشمس في حياته فتتحقق ظنونه بعد ليل طويل بهيم.

بر الوالدين رد للجميل

لمّا يكبر الابن ويُقارب من عمره النضوج فينهي أبواب العشرين ويقف على قارعة الثلاثين ويرى الشيب قد بدأ بخط بضعة من الخطوط يتذكّر والديه كيف أفنيا عمرهما في سبيله كما الآن يفني هو عمر في سبيل أولاده، فتكون الدنيا دول تدور ووجوه تتغير، ولكنّ الأدوار نفسها يلعبها في كل آن أشخاص بوجه جديد، فيكبر الوجه الأول بعد أن خطت التجاعيد فيه حكاية لا يُمكن للزمان أن يمحو أثرها.

كيف للوقت أن يمحو آثار عمر مضى ما بين شقاء وتعب وحزن وألم، وكل ذلك حتى يقف الابن في يوم من الأيام شامخًا كالجبل الأشم لا ينازعه في قوته أحد، ولكن إقبال الدولة لا يكون إلا من خلال انزياح أخرى، فيعلو هنا صوت الأخلاق ورد الجميل الذي يفرض على كل ابن أن يكون بارًا بتلك العينين اللتين فقدتا جزءًا كبيرًا من النور في سبيله، إن الله تعالى لمّا جمع ما بين حقه وحق الوالدين كان ذلك جزءًا صغيرًا من تبصرة الله تعالى لعباده في حقوق الآباء وجمعها مع حقوق رب العباد، قال الله تعالى في سورة الإسراء: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}.[١]

يكون ذلك من قضاء الله تعالى على عباده بأن جعل بر الوالدين قضاء عليهم كما قضى بتقلب الليل والنهار والموت والحياة والفقر والغنى، فكلّ ما قضاه حاصل لا محالة ومَن خالف قضاء ربّه فإنه كمن يُحاول البحث عن درة ثمينة أضاعها وهي بين عينيه لا هو يستطيع رؤيتها ولا يُمكنه الكف عن البحث عنها، إنّ الله تعالى لما أمر عباده أن يبروا آباءهم كان ذلك من ردّ الجميل، حيث إنّ الوفاء خلق إسلاميّ رفيع اتّصف به سيد الخلق والعالمين -عليه الصلاة والسلام-، وحريّ بالمسلم أن يتتبع صفات نبيه فيقتضي بها، فيكون فائزًا في الدنيا والآخرة.

بر الوالدين طاعة لا انصياع 

إنّ الابن البار لمّا يُذعن لوالديه ويُطيعهما ليس ذلك من باب الاستعباد ولا من باب فرض ذلك على وجه الإجبار، بل ذلك يكون من خلال احترامهما وبرهما وطاعتهما طمعًا بمرضاة الله تعالى ومرضاتهما وهمّا اللذان أفنيا جسديهما لمّا كان الابن صغيرًا، ليس المطلوب من الابن أن يقف حاملًا عصا العبودية أمام والديه فلا يُبدّل القول لديهما، بل المطلوب من الابن أن يحمل المحبة والإحسان والحنان، فهو الشمعة التي يستظل الآباء بنورها لمّا تُبدّل الآية ويكون لا مفر من الضعف والهزال.

قد يُحاول الأبناء العاقين تبرير عقوقهم ببضع من الأسباب الواهية؛ كأن يقول هم ينتمون إلى زمن غير زماننا ولذلك يصعب إرضاؤهم وكأنه يتحدث عن رجل قارب العصور الحجرية في فكره وهيأته، ولكنّه ما علم أنّ الأيام التي قضاها الأب في هذه الحياة الدنيا هي أشبه بدورة في علم الحياة، وهو يحاول أن ينقل له تجربته القاسية تلك ببضع من الكلمات، إنّ الابن الذي يُطيع والديه يذلل الله تعالى له أسباب الحياة فلا يجعل الأيام تقسو عليه ولا تريه من شؤمها ما رأى غيره.

إنّ أقصى ما يتمناه الآباء هو أن يكون أبناؤهم أفضل منهم في أعين الناس؛ لذلك فإنّ الابن قد يرى طاعة الوالدين شاقة عليه في كثير من الأحيان، لكنه لو دخل لأعماق والديه وارتأى تلك البلورة الفضية التي يسكن الآباء أبناءهم بها في مخيلتهم لَعَلِم معنى تلك الأوامر التي لا يظنها الابن في كثير من الأحيان سوى مضيعة لوقته وجهده، ليس من العدل أن يحكم الأبناء على مطالب آبائهم من وجهة نظرهم فقط، فكم رسم الوالد تلك اللوحة الفنية في ذاكرته حينما رأى علامات النضج على ابنه فظنه فارسًا مقدامًا ارتقى عرش الرجولة ليقول للأمر كن فيكون.

إنّ علاقة الأبناء بالآباء هي علاقة سرمدية منذ الأزل يحكمها المد والجزر وبرد الشتاء وخريف المواقف وربيع الأيام، ولكن كل ابن قادر على أن يكون تلك الغيمة التي تحمي شجرة الزيتونة المسنة من حر الشمس وتبدل الأيام، لا بد أن يقف الابن مع نفسه وقفة حق فيرى بمرآة روحه معنى الأبوة، بعضهم قد يدرك ذلك متقدمًا فينعم ببر أبويه، ولكن بعضهم الآخر قد لا يدرك ذلك إلا بعد فوات الأوان حينما يذهب إلي المقبرة فتكون مأوى ذكرياته ويقف مع كومة من التراب علّه يسترد بها روحه، وأخيرًا لا يكون البر بالتمني ولكن هو ما صدقه العمل.

لقراءة المزيد، انظر هنا: موضوع تعبير عن بر الوالدين.

المراجع

  1. سورة الإسراء، آية:23-24

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق