أصل الفيروس

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في آراء 9 يونيو,2021  نسخة للطباعة

د. أحمد مصطفى أحمد:
أثار نشر آلاف بريد إلكتروني (الإيميلات) من حساب د. أنتوني فاوتشي، مستشار الرئيس جو بايدن الطبي ومدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، جدلا في غاية الخطورة. لا أقصد هنا الادعاءات ضد فاوتشي من أنصار الرئيس السابق دونالد ترامب أو من قبل اليمينيين المتطرفين في الحزب الجمهوري والمروِّجين لنظريات المؤامرة والخرافات حول فيروس كورونا. فكل هذا مثل غثاء السيل، لا قيمة له سوى الضجيج الإعلامي ويتسم في أغلب الأحيان بقلب الحقائق التي لم يمر على معايشتنا لها أكثر من عام. على سبيل المثال، من الخطل اتهام فاوتشي بأنه كان ضد ارتداء أقنعة الوجه رغم أن ترامب هو الذي كان ضدها ولطالما انتقد فاوتشي علنا على “تويتر” بسبب آرائه العلمية المتعلقة بالصحة العامة. هذا مجرد مثال واحد، وينسحب على بقية نقاط الجدل الأخرى المضللة. وإذا كان قصد أنصار ترامب هو النيل من د. فاوتشي، فإن نشر (الإيميلات) لم يسفر من قبل عن إدانة أحد أو حتى التأسيس لقضية. ولعلَّ في مثال (إيميلات) وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون فيما يتعلق بتفجير السفارة الأميركية في بنغازي ما يمكن القياس عليه.
النقطة الوحيدة في الجدل المثار بعد نشر (إيميلات) فاوتشي هي مسألة التغطية على مسؤولية الصين عن انتشار فيروس كورونا. وتستند إلى اجتزاء جملة من رسالة بريد إلكتروني من رئيس منظمة طبية غير ربحية في نيويورك هي إيكوهيلث أليانس يشكر فيها د. فاوتشي أنه لم يشارك في حملة اتهام الصين بأنها مسؤولة عن تسرب الفيروس من مختبر الفيروسات في مدينة ووهان التي بدأ منها الوباء. وعلى طريقة قلب الحقائق، بدأ نواب وشيوخ في الكونجرس يطالبون باستجواب أنتوني فاوتشي حول ما يعرفه بشأن مسؤولية الصين عن تسرب الفيروس. بل إن الرئيس السابق دونالد ترامب أصدر بيانا يهاجم فاوتشي ويكرر مطالبة الصين بدفع 10 تريليونات دولار للعالم كتعويض عن الأضرار التي تسببت بها نتيجة مسؤوليتها عن الوباء. وهذه النقطة بالتحديد يمكن أن تؤدي إلى رد فعل عكسي دين ترامب وإدارته والحكومة الأميركية كلها إذا أسفرت المساءلات والتحقيقات عن إثبات “تصنيع الفيروس ونشره”.
من المهم أن نكرر ما سبق وذكرناه في هذه الزاوية من كل الاحتمالات ممكنة في مسألة أصل الفيروس، ما عدا الشطط الذي يروج له أصحاب نظريات المؤامرة من أن أحدا صنع الفيروس وأطلقه ليقتل الملايين من البشر في الصين والعالم ـ رغم أن ذلك ممكن طبعا نظريا وإن كان لا يصدقه عقل. أما أن الفيروس، وهو من عائلة فيروسات معروفة لكنه جديد تماما، انتقل من الحيوان أو الطيور إلى البشر فهو الاحتمال الأرجح حتى الآن. وبالطبع احتمال تسرب الفيروس من مختبر فيروسات، مهما كانت درجة التأمين والسلامة فيه، وارد أيضا عن طريق الصدفة والخطأ. كما أن تصنيع الفيروس أمر وارد أيضا، فكل الأبحاث على الفيروسات تتضمن تعديلات في الصبغات الوراثية على شريطه الجيني الأحادي. وبالتالي وارد جدا أن تؤدي أي تعديلات (مثل الطفرة) إلى إنتاج فيروس مختلف لا تعرف خصائصه. ويمكن أن يكون ذلك مقصودا لأغراض بحثية، أو حتى ينتج بشكل غير مقصود أو متوقع. كل الاحتمالات واردة إذًا، وليس مختبر الفيروسات في ووهان باستثناء إذا عرفنا أن أكثر المختبرات البحثية تقدما، وفي الولايات المتحدة نفسها، يمكن أن يتسرب منها ميكروب بالصدفة أو الخطأ (كما يمكن أن تؤدي الأبحاث إلى تطوير أوبئة غير معروفة من قبل).
ليس القصد هنا هو تبرئة الصين من احتمال أنها اكتشفت حادثا بعد وقوعه وغطت عليه، أو تهاونت في الكشف عنه بسرعة وجلاء للعالم. فهذا وارد طبعا، مع ما هو معروف عن تاريخ بكين من التكتم وعدم الشفافية. إنما، لا يمكن أيضا إغفال حقيقة أن الفرنسيين والأميركيين يجرون أبحاثا أيضا في مختبر ووهان وبعضها على الفيروسات التي تحملها الخفافيش ويمكن أن تصيب البشر. وهنا تأتي أهمية ما كشف عنه في (إيميلات) الدكتور فاوتشي، سواء كان يعلم ويغطي أم تصرف ببساطة العام الماضي وهو وقت الإيميلات المنشورة؟ فالمنظمة الطبية غير الربحية التي راسل رئيسها فاوتشي هي وسلة موَّلت عبرها الحكومة الأميركية أبحاثا فيروسية في معهد ووهان للفيروسات ـ المختبر المعني بأصل الفيروس. وجاء التمويل بمئات آلاف الدولارات من معهد الصحة الوطني الحكومي إلى منظمة إيكوهيلث أليانس الذي تبرع بها للمختبر الصيني حتى لا يبدو تمويلا حكوميا أميركيا مباشرا. وكانت الأبحاث التي تم تمويلها أميركيا تتعلق بالتحديد بالفيروسات الهلالية (كورونا) في الخفافيش ومدى إمكانية تعديلها وراثيا لقياس مدى انتشارها وأضرارها على البشر.
تتعلق تلك الأبحاث التي يمولها الأميركان في الصين بالتعديلات الجينية في الفيروسات المسببة للأمراض في البشر لجعلها أكثر ضراوة؛ أي أنه إذا كان هناك حديث عن “تصنيع فيروسات” لغرض حرب بيولوجية ضد البشر فقد كانت بتمويل أميركي. وإذا ثبت أن الوباء الحالي نجم عن فيروس تم تحويره بيد البشر ولم يتحور بطفرة طبيعية وينتقل من الحيوانات إلى البشر فإن مسؤولية أميركا عنه لا تقل عن مسؤولية الصين. ومن الصعب تصور أن أميركا تريد لمثل هذه الفرضيات أن تثبت، ناهيك طبعا عن مطالبة الصين بتعويضات. إذ إنه قد ينتهي الأمر بأن تكون أميركا هي الملزمة بتلك التعويضات حتى لو كان العاملون في الأبحاث الممولة أميركيا صينيين.

2021-06-09

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق